عبد الله بن أحمد النسفي
422
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 66 إلى 67 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 ) 66 - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ من سائر كتب اللّه لأنّهم مكلفون الإيمان بجميعها فكأنّها أنزلت إليهم ، وقيل هو القرآن لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعني الثمار من فوق رؤوسهم وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني الزروع ، وهذه عبارة عن التوسعة ، كقولهم فلان في النعمة من قرنه « 1 » إلى قدمه ، ودلت الآية على أنّ العمل بطاعة اللّه تعالى سبب لسعة الرزق ، وهو كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ « 2 » وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 3 » فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً « 4 » الآيات وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً « 5 » مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ طائفة حالها أمم في عداوة رسول اللّه عليه السّلام ، وقيل هي الطائفة المؤمنة « 6 » عبد اللّه بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ فيه معنى التعجب ، كأنه قيل وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، وقيل هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم . 67 - يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ جميع ما أنزل إليك ، وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ رسالاته مدني وشامي وأبو بكر ، أي فلم تبلغ إذا ما كلّفت من أداء الرسالات « 7 » ولم تؤد منها شيئا قط ، وذلك أنّ بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض ، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ، كما أنّ من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلّها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد ، والشيء الواحد لا يكون مبلّغا غير مبلّغ ، مؤمنا به غير مؤمن به « 8 » . قالت الملحدة لعنهم اللّه تعالى هذا كلام لا يفيد ، وهو كقولك لغلامك :
--> ( 1 ) في ( ز ) فرقه . ( 2 ) الأعراف ، 7 / 96 . ( 3 ) الطلاق ، 65 / 2 و 3 . ( 4 ) نوح ، 71 / 10 . ( 5 ) الجن ، 72 / 16 . ( 6 ) زاد في ( ز ) وهم . ( 7 ) في ( ز ) الرسالة . ( 8 ) ليس في ( ز ) به .